ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
490
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فإن الباطل هو العدم ، ورؤيته هي التجلّي في لا شيء ، ولكن الفيلسوف يرمي بهذا القول ، وأصحاب الأدلة العقليّة كلهم يرمون به ، وأهل الظاهر ما يقول به ، ولا يقرب هذا الذوق التام إلا السوفسطائي ، غير أنّه لا يقول بحقيقة واحدة ، وهم يقولون بحقيقة واحدة متجلّية ظاهرة في الوجود ، يقبل جميع النسب والإضافات ، وهي الاعتبارات العلمية سمّيت بالأسماء الإلهيّة ، وما الاسم إلا اسمها ، وما الإضافة إلا إضافتها ، وهي واحدة وحدة الأحدية لا تكرار فيها . وحقيقة تلك ( الحقيقة تعطي ) باقتضاء ذاتيّ ( أن تكون لكل اسم يظهر إلى ما لا يتناهى ) ؛ لأن ظهورات كل اسم غير متناه ، فيعطي تلك الحقيقة بحسب اقتضائها الذاتي أن يكون لكل اسم اسم منها ( حقيقة ) : أي يكون لكل اسم حقيقة مختصّة بذلك الاسم بحيث ( يتميز بها ) : أي بتلك الحقيقة ( عن اسم آخر بالحدّ ) والرّسم والوسم والاسم . فكل اسم يظهر بحقيقة غير متناهية ، كل برزة عن برزة أخرى بالتشخص والتّعين الشخصي ، بل ما من شيء موجود أوجده اللّه تعالى في العالم إلا وله أمثال في خزائن الجود التي في كرسيّه : أي علمه كما قرّرناه مسبقا . وهذه الأمثال التي تحوي عليها تلك الخزائن لا تتناهى أشخاصها . قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الحجر : 21 ] ، عدد الخزائن لشيء ، فلا يخزن فيها إلا جواهر حقائقه ، فيخرج أمثالها غير متناهية ، فالأمثال من كل شيء ، يوجد في كل زمان فرد في الدنيا والآخرة ، فلكل حقيقة اسم ، ولكل اسم حقيقة ، تسمّى الحقائق الأسمائية ، ( وتلك الحقيقة التي بها يتميز اسم عن اسم هي الاسم عينه ) ؛ لأن حقيقة كل شيء عينه . والتشخص أمر زائد على الذات ، فإن الحقيقة ليست سوى عين صفة اعتبرت مع الذات ، وصارت أسماء ، والصّفة نسبة عدمية ، فالحقيقة عين ذلك الاسم بلا أمر زائد في الوجود ، فافهم ، ( لا ما يقع فيه الاشتراك ) ، كالأجناس والأنواع والأصناف ،